إجعلنا صفحتك الرئيسية
على هامش يوم الطفل العالمي: حقوقي في الاسلام
سوسن مصاروه
05/09/2010

حقوقي في الاسلام

الطفولة عند الإنسان هي المرحلة الأولى من مراحل عمره. حيث تبدأ منذ ميلاده وتنهي ببلوغه سن الرشد حيث يكمل نمو عقله ويقوى جسمه ويكتمل تميزه ويصبح مخاطبا بالتكاليف الشرعية. قال تعالى " ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ).
فواجب الوالدين ولا سيما الأم في هذه المرحلة من أكبر الواجبات الملقاة على عاتقها إذ لا بد وأن يهتما بطفلهما من جميع جوانبه ، حيث أن توجيه الوالدين في هذه المرحلة له أثره العظيم في حسن تقويم الطفل وصقل مواهبه واستعداده ، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال وعي الأب والأم في اختيار كل منهما الآخر :

الحق الأول: حق اختيار الزوجة والزوج

حسن اختيار كل من الزوجين لصاحبه يعتبر حقاً من حقوق الطفل التي أمر بها الإسلام، ونجمل في هذا المقام أهم الأسس للاختيار بأن تختار المرأة الرجل صاحب الخلق والدين عملا بقوله e " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير "وأن تُختار المرأة وفق ما شرع الإسلام , لما في هذا الاختيار من بقاء الألفة ودوام العلاقة الزوجية: منها الزواج بالمرأة الولود " قال e: " تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " " ومنها أن تكون المرأة صالحة " فعن ابن عمر أن رسول الله e قال :" الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة " وقوله e (تنكح المرأة لأربع:لمالها وجمالها وحسبها دينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) .لو تأملنا هذه التوجيهات الإسلامية لأدركنا كيف أن الإسلام أهتم بتربية النشء من قبل ميلاده لما له من أثر في تكوين البيت الذي يكتنفه الحب والوفاء لإنجاب الذرية القوية ذات العقل والذكاء والصلاح ، ولأدركنا أن الإسلام سبق النظريات التربوية في عصرنا الحاضر والتي تنادي بضرورة البدء بتربية الطفل منذ ولادته .

الحق الثاني: واجب رعاية الأم للجنين

اختيار الرجل لزوجته يجب أن بهدف إيجاد النسل والذرية لحفظ النوع الإنساني لعمارة الكون ، ووضعت الشريعة الإسلامية القواعد والأسس التي تحمى هذه الذرية منذ تكوينها في بطن الأم حتى تخرج لنا إلى الحياة قوية مكتملة البنية . ويتضح هذا في عدة أمور بينها ديننا الحنيف:

1. توجيه الآباء لاتخاذ كافة الوسائل والتدابير لحماية الطفل وصيانته من نزعات الشيطان وذلك عند وضعه في الرحم ، حيث قال e ( أما لو أن أحدكم يقول حين يأتي أهله بسم الله, اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ثم قدّر أن يكون بينهما في ذلك وقضي ولد لم يضره شيطان أبداً "

2. أباح للمرأة الحامل الفطر في رمضان قال e : ( إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل أو المُرضع الصيام .

3. أثبت الشرع أهلية الجنين غير أنها أهلية ناقصة فأثبت حقه في الإرث إن خرج إلى الدنيا حياً وقد اتفق الفقهاء على ذلك ، وعلى أن يوقف توزيع التركة قبل الولادة لحين ولادته حتى يتضح أهو ذكر أم أنثى .

الحق الثالث: حقوق الطفل بعد الميلاد

1. حق الأذان والإقامة في أذن المولود , من أجل النعم التي وهبها الباري لعبده نعمة الإنجاب، قال تعالى ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (, فمن حق الواهب أن يُشكر على ما أعطى ، ومن حق الوليد أن يقرع سمعه شعار المالك لمخلوقاته وهو قول :" لا إله إلا الله". إنها كلمة التوحيد يتلقاها الطفل عند دخوله إلى الدنيا, وهناك فائدة أخرى وهي هروب الشيطان من كلمات الآذان.

2. تحنيك المولود , التحنيك هو مضغ التمرة التمر ثم وضع جزء منها على الإصبع وإدخاله في فم المولود ، ثم القيام بتحريكه يمنة ويسرة بحركة لطيفة . هذه سنته e , ولعل الحكمة من ذلك تقوية عضلات الفم بحركة اللسان مع الحنك مع الفكين حتى يتهيأ المولود لعملية الرضاعة وامتصاص ثدي الأم بكل قوة وبحالة طبيعية . ومن الأفضل أن يقوم بعملية التحنيك من يتصف بالتقوى والورع والصلاح تبركا وتفاؤلاً بصلاح المولود وتقواه.

عن أبي موسى قال :" وُلد لي غلام فأتيت النبيّ e فسماه إبراهيم فحنكه بتمرة ودعا بالبركة ودفعه إليّ "

3. الرضاعة , لقد فرض المولى سبحانه على الأم أن ترضع طفلها حولين كاملين ، وجعله حقاً من حقوق الطفل , قال تعالى( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ المعروف ) , الرضاعة عملية جسمية ونفسية لها أثرها في التكوين الجسدي والانفعالي والاجتماعي في حياة الإنسان وليدا ثم طفلاً. بالرضاعة الطبيعية يكون الطفل في مأمن من الأمراض الجسمية والجدَب النفسي , يتميز بتكامل عناصره وخلوه من الميكروبات ، ومناعة ضد الأمراض، ويحتوي على نسبة من البروتينات المساعدة لعملية الهضم السريع وكمية المعادن والأملاح كالبوتاسيوم والصوديوم ونسبتها بعضها لبعض المساعدة على إراحة الكليتين ، بالإضافة إلى تواجد الفيتامين. أما الفوائد النفسية والاجتماعية من هذه العملية فتنعكس على الوليد في شعوره بالدفء والحنان والأمان وهو ملتصق بوالدته يحس نبضات قلبها . ولقد أكد علماء النفس: أن الرضاعة ليست مجرد إشباع حاجة عضوية إنما هو موقف نفسي اجتماعي شامل، تشمل الرضيع والأم وهو أول فرصة للتفاعل الاجتماعي.

4. تسمية المولود باسم حسن ,على الوالدين أن يُحسنا اختيار اسمه الذي سيدعى به بين الناس مستقبلا ولقد جاء توجيه رسول الله eفي قوله : ( إنكم تدعَون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم ) وقد ثبت عن رسول الله e أنه غير اسم "عاصية", فعن ابن عمر : أن ابنة لعمر كان يقال لها عاصية فسماها رسول الله جميلة . ويستحب أن تكون تسمية المولود يوم السابع ، يقول رسول اللهe : " كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويسمى "

5. خامسا : العقيقة, هي ذبح الشاة عن المولود يوم السابع من ولادته , قال e : " من أحب أن يَنسك عن ولده فليفعل " والحكمة هي إظهار البشر والسرور بالنعمة ونشر النسب, فهي إحياء لسنة رسول اللهe وهي تفك الرهان المرتَهن به المولود ، ولهذا قال e: " إن مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى "

6. استحباب حلق شعر الرأس والتصدق بوزنه فضة " والحكمة من ذلك صحية ففي إزالة شعر الرأس تقوية له وفتحا لمسام الرأس بالإضافة إلى تقوية حاسة السمع والبصر الشم . وهناك حكمة اجتماعية : لأن التصدق بوزن شعره فضة معناه فتح ينبوع من ينابيع التكافل الاجتماعي ، وفي ذلك تحقيق لظاهرة التعاون والتراحم والتكامل في ربوع المجتمع

7. الـخـتـان , وهي من أبرز الشعائر التي يتميز بها المسلم عن غيره , والختان من خصال الفطرة الخمسة , يقول e (الفطرة خمس: الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب ، وتقليم الأظافر ، ونتف الإبط)

8. الحضانة والنـفـقة , أوجبت الشريعة للطفل رعايته والمحافظة على حياته وصحته وتربيته وتثقيفه على الأبوين هذا ما يعرف بمرحلة الحضانة، والأم هي صاحية الحق الأول في احتضان طفلها. وبالإضافة إلى حق الطفل في الحضانة أيضاً له الحق في النفقة ، والنفقة تشمل الطعام والكسوة والسكن.

9. تربية الطفل من خلال طاقاته المختلفة , الإسلام يعتبر مرحلة الطفولة من المراحل المهمة والأساسية التي فيها تبني شخصية الطفل وتظهر العلاقات الدالة على مدى نجاحه مستقبلا في تحقيق الرسالة التي خلق من أجلها ، وذلك عن طريق استغلال جميع الطاقات الكامنة لديه والتي من خلالها يكتسب الطفل العلوم والمعارف ليتحقق الهدف الأسمى الذي وجد من أجله, ويكون ذلك بالتربية الجسمية, وذلك بالغذاء الجيد والمسكن الصحي، والراحة والنوم الجيد والحصانة من الأمراض وممارسة الألعاب الرياضية. يجب على الأم أن تهتم بكيفية نوم الطفل , إذ أن عملية النوم تعتبر من الحاجات العضوية الجوهرية اللازمة لنموه ومن الأفضل تعويده على النوم على الشق الأيمن , فكان e إذا أوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده ثم قال : " اللهم قني عذابك يوم تبعث أو عبادك" ثمّ بالتربية العقلية , يقول تعالى" قل هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ" فالإسلام يحترم الطاقة العقلية ويشجعها , ويضع للأم الوسائل المعينة لإعداد طفلها بتلقينه حقيقة الإسلام وتعاليمه, والمطالعة الواعية وهذا يتطلب إيجاد مكتبة صغيرة تشتمل على مجموعة من قصص الأنبياء والصحابة والسيرة النبوية وغيرها من العلوم واختيار الرفقاء الصالحين المتميزين عن غيرهم بثقافتهم. ثمّ التربية الروحية والإيمانية فتزكية الروح وتربيتها يقوم على تأصيل الإيمان بالله ومعرفته وحبه وتقواه جلّ جلاله. ويتحقق ذلك بالصلاة ,الصوم وممارسة كل الطاعات.وهذا لقمان يعلم ابنه فيقول { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ويقول e لابن عباس : ( يا غلام أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك )

10. معانقتهم وملاعبتهم: حق أوجبه الإسلام للأطفال : قبّل e الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس فقال الأقرع: ( إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً )، فنظر إليه رسول الله e وقال: { من لا يرحم لا يُرحم), وقالت عائشة رضي الله عنها : ( جاء أعرابي إلى النبي e فقال: ( تقبلون الصبيان؟ فما نقبلهم ) فقال e : { أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة }.

11.حق الطفل في الحياة, فحق الحياة مكفول لكل إنسان قال تعالى)ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئاً كبيراً (وقال تعالى )قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم (.وقال)من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً (, فلا يُعتدي عليه بالإجهاض أو بأي وجه من وجوه الإساءة التي تُحدث التشوهات الخَلقية أو العاهات.

12.ومن حقه في الحياة أن لا يُضرب ولا يُهان, إلا في حالات , قال e (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر) , وإن كان لا بد من الضرب, فكما قال e : (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) , وهناك شروط في كيفية الضرب للتأديب نبه عليها الشرع.

13. المساواة مع باقي الأطفال : فالإسلام ساوى بين الناس جميعاً والله الواهب )يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً (,أنكر الإسلام التمييز بين الذكر والأنثى وأمر بالعدل بينهم، قال تعالى ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم.. ( , وقد مُيزت البنت بأن جعلها الله حجاباً للآباء من النار عند حسن تربيتهن. فقد قال e (من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وكساهن من جِدَته ( أي: ماله ) كنّ له حجاباً من النار), فبأي حق نميز بين الإناث وبين الذكور!!

14. حقه في اللعب المباح , وقد كان المصطفىe يداعب الأطفال فقال لطفل مات عصفوره : ( يا عُمير ما فعل التُّغير ؟ ) وهو الطائر الصغير ، وكان يُركب الحسن والحسين على ظهره في البيت . يقول الإمام الغزالي : "...فإنَّ مَنـْعَ الصبي من اللعب وإرهاقه بالتعليم دائماً يميت قلبه ، ويبطل ذكاءه ، وينغص له العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأساً ".

15. حق الطفل في التربية والتعليم , ويبدأ هذا الحق من الطفولة، قال تعالى )يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة (وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أي: علموهم وأدبوهم. ويقول ابن القيم رحمه الله : وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه فأضاعوهم صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً... وكم من والدٍ حَرم ولده خير الدنيا والآخرة وعرضه لهلاك الدنيا والآخرة، وكل هذا عواقب تفريط الآباء في حقوق الله وإضاعتهم لها وإعراضهم عما أوجب الله عليهم من العلم النافع والعمل الصالح (

إن تربية الأولاد أمانة ومسؤولية لا بد من القيام بها , فكم من الأمانات قد ضاعت في غياب الأم والأب وانشغالهم في أمور الدنيا والجري خلف المادة!!

جاء رجل إلى عمر الفاروق يشكو إليه عقوق ابنه , فبعث عمر للابن ولامه على عقوقه لأبيه فسأل الابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى. قال: وما حق الولد على أبيه؟ قال عمر: أن يحسن اختيار أمه وأن يحسن اختيار اسمه , وأن يعلمه الذكر وتلاوة القرآن. وإذا بالولد يقول يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يصنع شيئا من هذا , أما أمي فهي زنجية كانت لمجوسي، وأما اسمي فقد سماني جعلا (وهو اسم حشرة من الحشرات)، ثم إنه لم يعلمني حرفا واحدا من كتاب الله عز وجل. فالتفت أمير المؤمنين إلى أبيه وقال: لقد جئت تشكو إليّ عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك

هذا ديننا وهذه دعوتنا وما علينا إلى تذكير بعضنا البعض, علنا نساهم في الحفاظ على أبنائنا وبناتنا في جيل الطفولة.